هل مر عليك موقف شعرتِ فيه أن شخصًا معينًا يعرف بالضبط كيف يستفزك؟
كلمة بسيطة منه تضايقك.
نظرة تشعرك بالتوتر.
تعليق عابر يجعلك تفكرين فيه طوال اليوم.
وأحيانًا لا يكون واضحًا أصلًا هل كان يقصد ما قاله أم لا.
فتبدأ الأسئلة:
هل هو يتعمد استفزازي؟
هل يقصد يرمى كلام علي؟
هل أنا حساسة زيادة؟
هل المشكلة فيه أم فيّ؟
وهنا أريد أن أطرح عليكِ سؤالًا مختلفًا قليلًا:
ماذا لو لم يكن السؤال الأهم هو: هل كان يقصد استفزازي؟
ماذا لو كان السؤال الأهم:
ماذا حدث داخلي عندما حصل هذا الموقف؟
هذه النقطة تحديدًا هي التي أتكلم عنها كثيرًا مع عميلاتي، لأنني ألاحظ أن الإنسان أحيانًا ينشغل بمحاولة فهم نية الطرف الآخر، بينما يكون هناك شيء آخر يستحق أن يراه أولًا: استجابته هو.
هل انتي المقصودة؟
أذكر عميلة عملت معها بعد انفصالها عن زوجها بفترة طويلة، كانت تقول لي إن أمورها بشكل عام جيدة، وعبرت بسلام من التجربة. ولا توجد بينها وبين زوجها أو أهله مشكلة حالياً.
لكنها لاحظت تغيرات مزعجة في الفترة الأخيرة، تظهر عندما تصادف أهله في مكان ما، ارتفع معدل استثارتها كثيراً، و أصبحت تحسب حساباً لكل كلمة تخرج منهم.
تتوتر.
تتلخبط.
وتشعر أن دموعها قريبة.
وكان أكثر شيء يشغلها هو:
هل أنا معنية بهذا الكلام ؟
هل يتعمدون إزعاجي ؟
هل هناك رسالة مخفية في كلامهم؟
أم أنني أتخيل؟
فقلت لها:
"عزيزتي، يقصدوا ولا ما يقصدوا حيصير معاك نفس الموضوع. خلينا نبدأ جلسات ونشوف إيش يصير معاك في الأخير."
وهنا بدأنا العمل.
بعد خمس جلسات، لاحظت أنها أصبحت تتعامل مع الموقف بشكل مختلف جدًا.
لم يعد حضورهم يحمل لها نفس الشحنة التي كان يحملها في البداية.
واللافت بالنسبة لي أنها لم تكن بحاجة إلى أن تعرف بالتحديد:
ما اسم الشعور؟
من أين بدأ؟
ومن كان السبب فيه؟
ولم تكن بحاجة إلى أن تحكي قصة طويلة عن كل شيء حدث في الماضي حتى نبدأ.
كان العمل بالنسبة لي قائمًا على ملاحظة ما يحدث في الجسد والتعامل مع الاستجابة التي تظهر.
وهنا بدأت أفكر أكثر في معنى الاستفزاز نفسه.
ماذا يحدث عندما يستفزك شخص؟
أنا أرى الاستفزاز من زاوية مختلفة عن مجرد أن شخصًا قال شيئًا لم يعجبني.أحيانًا يأتي موقف خارجي ويلمس شيئًا موجودًا عندي من قبل.
قد يكون شعورًا قديمًا.
قد تكون استجابة تعلمتها في تجربة سابقة.
مفاهيم و معتقدات غرست من تجربة سابقة لا أكون واعية لها بشكل واضح.
وفي هذه الحالة قد يكون الموقف الحالي هو الذي أظهر الاستجابة، وليس بالضرورة هو الذي صنعها من البداية.
وهذه الفكرة لها جانب معروف في علم النفس عند الحديث عن المحفزات أو التذكيرات المرتبطة بالتجارب المؤلمة. فبعض الأشخاص الذين مروا بتجارب صادمة قد يستجيبون بقوة لمواقف أو أماكن أو أشخاص أو أصوات تذكرهم بالتجربة السابقة، و غالباً لا يكون الرابط واضحًا لهم بشكل واعٍ.
يكون هناك شيء في الموقف الحالي حرّك استجابة أكبر من الموقف نفسه.
وهنا يصبح من المفيد أن نتوقف قليلًا.
أمثلة :
- اذا كنتي تعرضتي للتوبيخ كثيراً على مظهرك ، ستستفزك أي شخصية غير مرتبه، أو توبخ شخصاً لأجل الترتيب.
- اذا كان الأشخاص بصوت عالً يستفزونك إسألي نفسك، يذكروني بمن من طفولتي؟
هل الشخص هو سبب انفعالي فعلًا؟
هذه من أكثر النقاط التي أحب أن أراجعها مع نفسي ومع عميلاتي.
في حالة أن كان شخص يتعمد الضغط عليّ، فلن أتأثر إن لم يلامس شيئاً داخلي، يمكنني أن أتعامل معه وأضع له حدًا. أو حتى أن أتجاهله فيفقد أثره، لكني لن أتمكن من فعل هذا إن تمكن من استفزازي و إزعاجي لأنه لامس شيئاً قديماً داخلي.
أما لو كان الشخص لا يقصد شيئًا ويتصرف بطبيعته فقط، ومع ذلك حدث داخلي انفعال قوي، فهذا يعني أنه لمس شيئاً قديماً داخلي لم أتعامل معه، وهذا لا يعني أن شعوري غير حقيقي.
الشعور حقيقي.
لكن تفسيرنا لسببه قد يحتاج إلى أن يكون أهدأ.
لذلك لا أريد منكِ أن تنتقلي مباشرة إلى:
"أنا المشكلة."
كما لا أريدكِ أن تنتقلي مباشرة إلى:
"هو المشكلة."
أريدكِ أن تلاحظي أولًا:
ماذا حدث داخلي؟
نفس الكلام قد يستفز شخصًا ولا يستفز شخصًا آخر
تخيلي أن شخصين سمعا نفس التعليق في نفس المكان.
الأول ضحك وعدّى الموضوع.
والثاني شعر بالغضب والتوتر والرغبة في البكاء.
هل معنى ذلك أن أحدهما حساس والآخر قوي؟
ليس بالضرورة.
نحن لا نستقبل المواقف بالطريقة نفسها.
تجاربنا السابقة، ومعاني الأحداث بالنسبة لنا، وطريقة استجابتنا للضغط كلها يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نعيش بها الموقف الحالي.
وفي سياق الصدمات تحديدًا، بعض التذكيرات قد تؤدي إلى استجابات عاطفية وجسدية قوية حتى عندما لا يكون الشخص في الخطر نفسه الذي واجهه سابقًا.
لذلك قد يكون السؤال المفيد أحيانًا ليس:
"لماذا قال لي هذا؟"
بل:
"لماذا أثّر فيّ هذا الكلام بهذه القوة؟"
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
لكن ماذا لو كان الشخص يتعمد استفزازي فعلًا؟
هنا أريد أن أوضح نقطة مهمة جدًا.
العمل على نفسك لا يعني أن تلغي سلوك الطرف الآخر.
ولا يعني أن تقولي:
"أكيد المشكلة فيّ."
إذا كان شخص يتعمد إهانتك أو التقليل منك أو تجاوز حدودك أو الضغط عليك بشكل متكرر، فهذه سلوكيات موجودة فعلًا ويحق لك التعامل معها ووضع حدود واضحة.
لكن وجود سلوك خاطئ من الطرف الآخر لا يمنع في الوقت نفسه من أن أسأل نفسي:
لماذا هذه التصرفات تحديدًا تحركني بهذه القوة؟
يمكن أن يكون الاثنان صحيحين في الوقت نفسه.
هو تجاوز حدًا.
وأنا أيضًا لدي استجابة داخلية تجاه هذا التجاوز تحتاج أن أفهمها.
وهنا يصبح الوعي بالنفس وسيلة لفهم ما يحدث، وليس وسيلة لتحميل نفسي مسؤولية كل شيء.
ماذا لو لم أكن أعرف ما الشعور الموجود بداخلي؟
هذا سؤال أسمعه كثيرًا.
"أنا عارفة إني أتضايق، لكن ما أعرف إيش فيني."
وأحيانًا فعلًا لا نملك اسمًا واضحًا للشعور.
قد نلاحظ فقط:
توترًا.
تسارعًا في ضربات القلب.
رغبة في البكاء.
شدًا في الجسم.
رغبة في الانسحاب.
غضبًا مفاجئًا.
أو رغبة قوية في الرد والدفاع عن النفس.
الاستجابة الجسدية نفسها قد تكون أول شيء يمكن ملاحظته.
وفي حالات التذكيرات المرتبطة بصدمة سابقة، المحفز قد يؤدي إلى استجابات جسدية وعاطفية تلقائية، وقد لا يكون الشخص واعيًا بشكل كامل بالرابط بين الموقف الحالي والتجربة السابقة.
لذلك لا أرى أن البداية دائمًا يجب أن تكون بمحاولة استخراج قصة كاملة.
أحيانًا البداية تكون أبسط:
ماذا أشعر الآن؟
ماذا يحدث في جسدي؟
ما الذي حدث قبل أن تبدأ هذه الاستجابة مباشرة؟
هل يتكرر هذا معي في مواقف مشابهة؟
هذه الأسئلة قد تعطيني معلومات أكثر من الاستمرار في تحليل نية الشخص الآخر.
بدل أن تبحثي عن نية الشخص، راقبي استجابتك
أحيانًا ندخل في دائرة لا تنتهي:
هو يقصد.
لا هو ما يقصد.
أكيد كان يرمي كلام.
يمكن أنا فهمت غلط.
يمكن فعلًا يتعمد.
يمكن لا.
ونظل داخل رأسنا نحلل الشخص الآخر.
لكن مهما وصلنا إلى تحليل دقيق لن نعرف دائمًا ما الذي كان يدور في داخله.
لذلك أحيانًا يكون الجزء الذي أستطيع العمل عليه فعلًا هو:
أنا.
أنا أعرف ماذا شعرت.
وأعرف كيف استجاب جسدي.
وأعرف ماذا فعلت بعد ذلك.
وهذا يعطيني مساحة أكبر للحركة.
جربي هذا في المرة القادمة التي تشعرين فيها بالاستفزاز
في الموقف القادم، قبل أن تدخلي في مواجهة أو تحليل طويل، خذي لحظة.
1. توقفي عن تفسير النية مباشرة
لا تقولي لنفسك فورًا:
"هو يقصد يستفزني."
قولي:
"أنا الآن أشعر بالاستفزاز."
هناك فرق كبير بين الجملتين.
الأولى تتحدث عن شيء لا أستطيع التأكد منه.
والثانية تصف تجربتي أنا.
2. لاحظي ماذا يحدث في جسدك
هل هناك شد؟
توتر؟
رغبة في البكاء؟
خفقان؟
رغبة في الهروب أو المواجهة؟
ملاحظة هذه الإشارات تساعدك على التعرف إلى استجابتك بدل أن تتصرفي منها بشكل تلقائي.
3. اسألي نفسك: هل هذا الموقف أكبر من رد فعلي؟
ليس بهدف لوم نفسك.
فقط للملاحظة.
هل كان التعليق عابرًا، بينما كانت استجابتي شديدة جدًا؟
هل هذا الشخص تحديدًا يحركني دائمًا؟
هل يحدث معي الشيء نفسه في مواقف أخرى؟
4. لاحظي النمط
لو تكرر نفس النوع من الاستجابة مع أشخاص مختلفين ومواقف مختلفة، هنا يستحق الأمر مساحة أكبر من الوعي.
قد تكون هناك حساسية معينة، أو تجربة سابقة، أو معنى خاص مرتبط بهذا النوع من المواقف.
وهنا قد تكون الاستعانة بمختص مناسب خطوة مفيدة إذا كانت الاستجابة شديدة أو متكررة أو تؤثر في حياتك وعلاقاتك.
لا تحاولي أن تثبتي أن الشخص مذنب
هذه النقطة غيّرت كثيرًا من طريقة نظري للاستفزاز.
أحيانًا نعتقد أننا سنرتاح عندما نثبت أن الشخص الآخر هو المخطئ.
لكن حتى لو ثبت أنه مخطئ، قد تبقى الاستجابة داخلي.
وقد أكون أنا ما زلت غاضبة.
ما زلت متوترة.
ما زلت أتأثر بمجرد رؤيته.
فماذا استفدت؟
لا تجعلي فهم الشخص الآخر هو المشروع الوحيد.
هناك شيء آخر يستحق أن تلتفتي إليه:
نفسك.
أحيانًا الشخص لا يكون هو المشكلة التي تحتاجين إلى حلها
هذه من أهم الرسائل التي أريد أن تصل لكِ.
قد يدخل شخص حياتك ويضغط على نقطة حساسة عندك.
وقد لا يكون يعرف أصلًا أنه فعل ذلك.
وقد يكون يعرف ويتعمد.
في الحالتين، يوجد شيء يمكنك أن تفعليه أنت.
إذا كان هناك تجاوز، ضعي حدًا.
إذا كان هناك سلوك مؤذٍ، احمي نفسك.
وإذا اكتشفتِ أن الموقف لمس استجابة قديمة بداخلك، أعطي هذه الاستجابة اهتمامك بدل أن تقضي كل طاقتك في مراقبة الشخص.
أنا أقول دائمًا لعميلاتي:
"لما أحد يستفزك لا تشغلي نفسك بالشخص، انشغلي بنفسك."
لأن أحيانًا يكون وجود هذا الشخص أو هذا الموقف هو الذي جعلك تلاحظين شيئًا لم تكوني ترينه في نفسك.
ومن هنا أقول:
اعتقوا الناس.
ليس لأن كل الناس أبرياء.
وليس لأن كل شيء يحدث لكِ سببه أنتِ.
لكن لأنكِ عندما تتوقفين عن محاولة التحكم في نوايا الآخرين، تبدأ مساحة أكبر من الوعي تظهر أمامك.
الاستفزاز قد يكون دعوة للانتباه وليس دعوة للحرب
في النهاية، أنا لا أريدكِ أن تعيشي كل موقف مزعج وأنتِ تبحثين عن "الجرح القديم" خلفه.
ولا أريدكِ أن تشكي في كل شعور تشعرين به.
ولا أريدكِ أن تلغي مسؤولية الآخرين عن أفعالهم.
أريد فقط أن أضيف سؤالًا جديدًا إلى الأسئلة التي تسألينها عندما يستفزك شخص:
بدل:
"لماذا يفعل كذا ؟"
اسألي أيضًا:
"ليش هذا الموقف حرّك فيني كل هذا؟"
وفي كل الحالات، عندما تعودين إلى نفسك، يصبح عندك شيء يمكنك العمل عليه فعلًا.
وهذا بالنسبة لي هو معنى الوعي:
أن لا يكون كل تركيزك على الخارج.
وأن تتعلمي أن تري ما يحدث داخلك أيضًا.
بعض المواضيع المساعدة:
⚠️ تنويه:
هذه الجلسات ليست بديلًا عن العلاج الطبي أو النفسي إن لزم ولا تعد من المعالجات الطاقية.
للحجز والاستفسار عن الجلسات والورش: 0536515121