قوانين نفسية خفية تحكم رحلاتنا دون أن نشعر
أحيانًا تكون مقتنعًا تمامًا أن ما تمر به الآن مختلف.
قصة جديدة، مرحلة جديدة، قرارات مختلفة، وحتى وعيك تغيّر عمّا كنت عليه سابقًا.
ومع ذلك،
يعود الإحساس نفسه.
ذلك الثقل الداخلي، القلق غير المبرر، أو الشعور بالضياع الذي يظهر فجأة وكأنه لم يرحل أصلًا.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
لماذا أغيّر كل شيء تقريبًا…
لكن الشعور يعود بنفس النبرة، ونفس العمق؟
هذا السؤال لا يعني أنك لم تتعلّم،
ولا أنك لم تتطور،
بل يشير غالبًا إلى شيء أعمق يعمل في الخلفية.
النمط الداخلي الذي يعيد إنتاج التجربة
العقل لا يتعامل مع الحياة كصفحات منفصلة،
بل كبناء تراكمي يبدأ من أول تجربة مؤلمة لم يتم التعامل معها بعمق.
التجربة الأولى لا تُخزَّن كذكرى فقط،
بل تُسجَّل كـ قانون داخلي غير واعٍ:
- كيف أُحِب
- كيف أَثِق
- كيف أتعامل مع الخطر
- كيف أحمي نفسي عندما أشعر بالتهديد
بعدها،
قد تتغير القصة ظاهريًا:
علاقة جديدة
بيئة مختلفة
دور اجتماعي آخر
لكن القانون الداخلي يبقى كما هو،
فيعيد إنتاج الإحساس نفسه بأشكال مختلفة.
ليس لأنك لم تحاول،
بل لأن ما يقود التجربة لم يتغير بعد.
لماذا لا يكفي الفهم وحده؟
في كثير من الحالات، يكون الشخص واعيًا جدًا:
يعرف جذور مشاكله
يفهم تاريخه
قرأ، تعلّم، واشتغل على نفسه
ومع ذلك، يتكرر السلوك أو الشعور.
السبب بسيط وعميق في آن واحد:
الصدمة لا تعيش في الفكرة…
بل في الجهاز العصبي.
ما لم يتم تفريغه على مستوى الجسد والمشاعر،
سيستمر العقل في إعادة إنتاجه على مستوى الحياة.
لهذا قد تفهمين تمامًا:
لماذا تختارين نمطًا معينًا
لماذا تخافين في مواقف محددة
لماذا يسبقك القلق دائمًا
لكن الجسد لا يصدّق هذا الفهم بعد.
حين يتعب العقل… لأن الجسد لم يُسمَع
تقول إحداهن:
"أنا واعية وقوية، لكن في لحظات معينة أنهار بلا سبب واضح."
وتقول أخرى:
"أغير حياتي بالكامل، لكن القلق يسبقني دائمًا."
وتشعر ثالثة:
"أعرف أن الماضي انتهى… لكن جسدي يتصرف كأنه ما زال هناك."
هنا لا نتحدث عن ضعف،
بل عن تفريغ لم يحدث،
فبقي الجسد في حالة استنفار،
وبقي العقل يحاول البناء فوق أرض غير مستقرة.
إعادة تعريف المشكلة
المشكلة غالبًا ليست أنك لم تتعافي،
ولا أنك تحتاجين مزيدًا من التحفيز،
ولا أنك لم تصلي بعد إلى “النسخة الأفضل”.
المشكلة أنك حاولتِ التغيير من مستوى العقل،
بينما الجسد ما زال يعيش التجربة القديمة.
فيحدث هذا التضارب الداخلي:
عقل يريد التقدم
جهاز عصبي يعيش حالة تهديد قديمة
فيتعب الاثنان.
لماذا التفريغ خطوة أساسية وليست نهاية الرحلة؟
تفريغ الصدمات لا يهدف لإبقائك في الألم،
ولا لإعادة عيش الماضي،
بل لإنهاء تأثيره على الحاضر.
حين يتم التفريغ بشكل واعٍ وآمن:
- يهدأ الجهاز العصبي
- تتوقف الاستجابات التلقائية
- يستعيد الجسد إحساسه بالأمان
لكن بعد هذا الهدوء،
يظهر سؤال جديد وأكثر نضجًا:
وماذا الآن؟
من التفريغ إلى الاختيار الواعي
بعد التفريغ، تتغير جودة الأسئلة:
ماذا أريد فعلًا؟
كيف أختار دون خوف؟
كيف أبني حياتي من مساحة هدوء لا من رد فعل؟
هنا لا نحتاج علاجًا،
بل إدارة واعية للحياة.
الكوتشينج في هذه المرحلة لا يعالج جرحًا،
بل يساعدك على:
إعادة تعريف ذاتك
بناء مسار جديد
واتخاذ قرارات نابعة من إدراك حقيقي، لا من نجاة.
في النهاية
إذا شعرتِ أن الفهم وحده لم يعد كافيًا،
وأن جسدك ما زال يحمل شيئًا لم يُفرَّغ بعد،
فربما ما تحتاجينه الآن ليس قرارًا جديدًا…
بل مساحة آمنة تسبق القرار.
مساحة يهدأ فيها الجهاز العصبي،
وتُفرَّغ فيها الشحنات القديمة،
حتى يصبح الوعي أكثر صفاءً،
والاختيار أكثر صدقًا.
بعدها فقط،
حين يهدأ الداخل،
يصبح الكوتشينج أداة بناء حقيقية،
لا محاولة للهروب أو التصحيح.
ابدئي بما يحتاجه جسدك أولًا،
ودعي وعيك يتقدّم بخطى ثابتة نحو التغيير الذي يستحقه.